الجمعة، 11 يونيو، 2010

الشجرة العتيقة ...









تجرع مرارة الألم يلهب الوجع ويزيده دمل وقيح لا يطيب بين آه معدومة الطريق وكأنما طريقها لا يعرف التربع إلا وسط صدري ..
من قال بأني بغير أم ؟ لا أنا لي أم لكنها غفلت صوتي وأسكتت بوحي وتركتني أصادق جدران جرحي ولفظت في عتمات الظلمة ظلي وخالطت كل من حولي سواي ..

ألمحها وأنا أمسك القلم أخطط به دروسي تمر أمام حجرتي بلا سلام ، تحمل أغراضها وكعادتها تنطلق في طرق معارفها وسهراتها التي لا تنقطع ..
أسمع فقط خطوات أقدامها وهي تبدو بأجمل حلة مرتدة أغلى ما لديها لتتفاخر به بين أٌقرانها ..


مرّي يا أمي .. سلمى هنا ، هل تعلمين ؟ مرّي فقط لتمنحيني كلمة حب صغيرة أشعر أنها تمنحني حبا لا ينقطع .. مرّي بين جنبات روحي ولا تسيري هكذا دون حتى مقارعة وجدي وأشواقي التي تطير إليك بذراتها تعانقك وتحرك جسدك لتستديري .. لكنه هواء خفيف لا يصيبك بقوة فيحرك أعضاءك ولا يثنيك عن مسيرك ..
ولا يشعر أبدا بي ..


أسند رأسي على كرسي مكتبي الصغير ثم أنفث نفخات غاضبة وأغلق الكتاب بين يدي ثم ألقي به وسط الغرفة ..


غاضبة أنا ، أنهض من على الكرسي وألملم أضلعي وكأنني أحضنها وأسير فيها بخفة ثم أتنفس بجرح لا يسكت ، حين اخترتك ورفضت الجلوس مع والدي كنت أعتقد أني سأحصل على حنان لا يتوقف لكنني كلما كبرت ومضت بي السنون كلما قل وجدك لي وبتّ لا تكترثين إلا بذاتك ، أو يكون جرح نهاية حياتكما سببت لك نكسة فأصبحت بعدها لا ترين إلا رغبتك ولا تدورين إلا في بوتقة حصنك غير المنيع ؟

وماذا عني أنا التي كان بعدكما وافتراقكما سببا في صبغ روحي بأحمرار الدماء التي يكثر عندها النزيف .. أما يكفيكما أنكما لم تبالوا بي ولا بوجودي ؟ أم أنك تلقين علي لوم سنينا جدباء عشتيها معه بلون المرار القاتم ..




أنزل في بهو المنزل أسير في خارجه كأنه فراغ لا يسمع معه إلا هسيس الغبار الذي يكسر أوراق الشجر ويجففها ويحطم أغصانها البالية كروحي .. أجلس على كرسي مغبر بعد مسحه بمنشفة علقت على غصن شجرة منزلنا العتيقة ، هذه الشجرة أحبها لأنها زرعت مع قدومي ودفن تحتها خصلات شعري وأنا طفلة ، تقول جدتي بأنها لي ولهذا أبثها همسي .. هذا المنزل ورثته أمي عن جداي بعد أن تنازلت عن باقي حقها لأخوتها لتستقر فيه بموافقتهم .. صغير وقديم لكنه جميل ومرتب وقد أضافت عليه لمسات جديدة لتجدد كل ربوعه التي لا أشعر معها بالتجدد فبعدها أخذت في الخروج منه وعدم الجلوس فيه فهي لا تطيق الحبس كما تقول ولكنها لا تذكر أن المنزل به روحا تحتاج من يجفف وجعها ويمسح عنها الألم ..

تقول منى : كل أمهات هذا الزمن هكذا !!
لكنها تنسى أن أمها تركت كل شيء لأجلها وتحرص على كل أمورها وتتابعها لحظة بلحظة وكأن منى تعاكست معي فكرهت هذه المتابعة التي تنم عن اعتقادها بسيطرتها عليها وملاحقتها لكنني أتمنى ولو القليل مما تحظى به منى لكنها لا تشكر.. أسكت حين يدور الحوار عن الأمهات بين صديقاتي أستمع إليهم بإصغاء شديد علني أجد حلا من خلال بوحهما لأعالج به حالة أمي ولكنني إلى الآن لم أجد هذا الحل ..

كل مشكلتي أنني بت أخاف جدران المنزل حين يفرغ منها حتى لو أن معي الخادمة تشعرني بوجودها بين فترة وأخرى لكن ظلال الخوف تمنعني حتى من متابعة استذكار دروسي ، وكلما بدأت المذاكرة ووجدتها تلملم أطراف عباءتها وتتسلل حتى لا يدور حوار عقيم بيني وبينها بسبب كثرة خروجها .. أذكر أنها في حوارنا ذات مرة صرخت في وجهي بقوة .. أخبرتني أنها ليس على استعداد لحبس نفسها وانقطاعها عن تفريغ همومها والتمتع مع صويحباتها لأجلي ..

لن تدفن حياتها بعد أن حطمها والدي كما تقول بسببي ؟؟

الأفكار تدور في رأسي : سلمى تبحث .. سلمى تحطّم .. سلمى تغيّب بين أكوام حطام أسرة مفككة .. أسرة مفككة !! كم أمقت هذه الجمل .. يرن هاتفها تلك اللحظة .. ترفع سماعة الهاتف :
نعم ، من المتصل ؟
ضال يريد معرفة الطريق ؟؟

الطريق ليس من هنا إنه طريق مختلف بعيد ابحث عنه في مكان آخر ..

أغلقت سماعة الهاتف ثم ألقت به على الطاولة .. وتنفست بعمق : لن أسمح لأحد بأن يعلق سقوطي على شماعة تفكك أسري .. سأتواصل معك يا ربي فخلاصي ونور طريقي لن يكون إلا وأنا معك ..